عبد الملك الجويني

269

الشامل في أصول الدين

نقول في ذكر أخص الجوهر : هو الذي يتحيز في الوجود ، وكذلك نقول في ذكر خاصة الكون الذي فيه كلامنا : هو الذي يزول به الجوهر في وجوده . فهذه مناقضاتهم أوردناها ولم نترك منها مذهبا لهم فيها أصلا ، ليتدبر المتدبر مناقضات الخصوم ويتشبث بها في مجاري الجدال . فصل من بقية أحكام الأكوان اعلموا أرشدكم اللّه أن الجوهر تحيط به ستة من الجواهر ، ولا يجوز تقدير أكثر من ذلك . وإذا انضمت ستة من الجواهر إلى جوهر ، فهذا أقصى الانضمام . ولم يمنع أحد إحاطة ستة من الجواهر بالجوهر الواحد . إلا أن شيخنا أبا الحسن حكى عن بعض المنتمين إلى الكلام أن الجزء لا يلاقيه إلا جزء . وهذا القائل رام بهذا المذهب التخلص من تمويه النظّام في إحاطة ستة من الجواهر بالجوهر الواحد ، ولكنه التزم إنكار المحسوس في مجانبة تمويه . قال الأستاذ أبو إسحاق : تألف الجواهر معلوم ضرورة . ومنها تركبت الجواهر خطا مستطيلا فالجواهر المتوسطة كل جوهر منها يلاقي جوهرين ، ولولا ذلك ما اتصل الخط . وجاحد ذلك منكر للضرورة . فإن قضية أصله أنه لا ينضم إلا جوهران ويتحافا بعد ذلك . فلزم أن يكون بين كل جوهرين والجوهرين الآخرين حيز حالّ وهذا ينفي اتصال الخط ، ثم ما من حيز حالّ إلا ويجوز تقدير اشتغاله بجوهر . ثم إن قدرنا فيه جوهرا ، لزم أن يكون متصلا من جانبيه ، فلا معنى للمصير إلى مذهب في دقيق الكلام يجر إلى جحد الضرورة . فإن قال قائل : فما وجه انفصالكم عن تمويه النظّام ؟ فإنه قال : الذي لاقاه الجوهر الفوقاني لم يلقه الجوهر المتسفل ، إذ لا تجوز ملاقاة جوهرين للجوهر الواحد في الجهة الواحدة ، فلما جاز في الجهتين ولم يجز في الجهة الواحدة ، لم يكن ذلك إلا لتقدر وجهي الجوهر . ثم قود ذلك من وجهين آخرين : أحدهما : أن أحد وجهي الجوهر إذا استتر بالأعلى فهو مرئي من الجهة الأخرى ، فكيف يكون الشيء الواحد مرئيا محتجبا ؟ ! والوجه الآخر أنه قال : تحقيق اتحاد الجوهر يمنع من اتصال الجواهر به لما قدرناه ، واتصال الجواهر مضبوط ضرورة ، وكل دقيق نافر جليا ، كان أولى بالرد من الجلي ، فكيف إذا نافر ضروريا ! ! وأول ما نفاتحه به أن نقول : نفي نهاية الأجزاء يمنع من اتصالها على وجه لا مدفع له ، وذلك أنا إذا نظرنا إلى الصفحة العليا من خشبة ، ونظرنا إلى الصفحة السفلى منها ،